
Commission
أسرار العضديات
أ عندما كانت بشائر هوساوي طفلة، أمضت وقتًا طويلًا محاطة بوفرة من الأشياء في منزل عائلتها، وكذلك في المتجر الصغير الذي كان والدها يديره كهواية. وتتذكر بشكل خاص والدتها وهي تجفف الليمون، ورائحة الحمضيات التي كانت تفوح في المكان. تستقر هذه الذكرى الطفولية في قلب عمل هوساوي غير المعنون، الذي يتخذ هيئة مجسّم مشهدي (ديوراما).
ويُعد هذا الجهاز المشهدي، الذي ارتبط بأوروبا في القرن التاسع عشر، بيئة مصغّرة تحاكي فضاءً حقيقيًا خلف لوح زجاجي، مستخدمةً الرسم والضوء لخلق وهمٍ بمشهد أو منظر طبيعي. وهو يستحضر في الوقت ذاته واجهات المتاجر في باريس ولندن التي بدأت بالظهور في الفترة نفسها لعرض البضائع، لتصبح من أوائل المنافسين في مجال العرض الجمالي خلال العصر الصناعي.
في هذه الحالة، تحتضن الديوراما ذكريات الفنانة وتمنحها مظهرًا أنيميستيًا (روحانيًا)؛ إذ تدور عصّارات الليمون حول نفسها دون أن تؤدي أي وظيفة، مستحضرةً تفاصيل الحياة اليومية وتكراراتها.
وترتبط الذاكرة هنا بالصدمة، لكنّها صدمة وُضعت على مسافة من الواقع. ومن هذا المنظور، يبتعد جهاز هوساوي عن بعض الممارسات الفنية المعاصرة التي تهاجم الصورة المرئية، حيث «يُقدَّم الشيء/النظرة كما لو لم يكن هناك مشهد يُنصَب له، ولا إطار للتمثيل يحتويه، ولا شاشة»، على حد تعبير الناقد الفني الأمريكي هال فوستر.
وعلى النقيض من ذلك، يظل العمل الفني هنا مكانًا محتملًا للمصالحة؛ إذ يبتعد عن مفهوم المقزِّز/المنبوذ (the abject)، ويُفهم ضمن إطار التحليل النفسي بوصفه شيئًا يحتاج الإنسان إلى التخلي عنه حتى يتمكن من استعادة ذاته بوصفه ذاتًا حقيقية ومستقلة.